السيد أحمد الحسيني الاشكوري
35
المفصل فى تراجم الاعلام
« وكان زمن تأليفه ما سمعت من الكتب لم يملك شيئاً من جلّ ما يحتاجه ، لكن شأنه الاستعارة لها من بعض إخوانه وأصدقائه . . » . بل يضطر إلى أن يجمع ديواناً من أشعار العرب القديمة والحديثة لأنه لا يتمكن من شراء الدواوين التي هو بحاجة إليها ، استمع إليه حيث يقول في أول كتابه « منادمة الاخوان » المخطوط : « لما لم يكن عندي شي من أشعار العرب العرباء والجهابذة الفصحاء ، ولم أتمكن من شراء ديوان بقران أو نصف قران ، خطر في الفؤاد - وأنا ما بين اليقظة والرقاد - أن أجمع شيئاً من الشعر الفصيح فأنتفع فيه ، فبادرت في ذلك الليل الحالك . . » . ولقد صدق المرحوم الحجة الشيخ محمد حرزالدين إذ قال في المترجَم له : « وكان محيطه وبيئته لا يقدران له ولأمثاله من المؤلفين جهودهم ، ويومئذ كان أهل الحلّ والعقد مشغولين بالزعامة والرئاسة العامة ومتطلباتها ، وكل قد سلك في طريق حياته ولا يلتقون في خط ، بل ولا يسأل عنهم إلا بمقدار الضرورة الماسة ودفعها ، ولكن العلم والأدب والتاريخ سوف يسجل لهؤلاء المؤلفين بأحرف من نور ويخلدهم ويشيد بهم » « 1 » . نماذج من شعره : لشيخنا الحجة الغرّاوي ديوان شعر كبير في جزئين عالج فيه مختلف الأغراض الشعرية ، ولكن كان أكثر نظمه في المديح والرثاء والموشحات ، وخصّص شعره بعد اجتيازه مرحلة الشباب بمدح الأئمة الهداة ورثائهم عليهم السلام « 2 » ، فانقطعت بذلك الصلة بينه وبين الأغراض الشعرية
--> ( 1 ) . نقل لي المرحوم الشيخ محمد حسين حرز الدين : أن الشيخ الغرّاوي كان يأتي إلى أصحابه من ذوي الكتب والمكتبات ، فيأخذ الكتاب الذي يحتاجه ويجلس على الأرض بجنب باب البيت في الزقاق ، فيقرأ فيه أو يكتب منه ما يريده ، لا فرق بين أن يكون بالنهار في ظل الحائط أو بالليل عند عمود الكهرباء . من الطريف المؤلم ما حدث لي مع الشيخ في حياته ، فقد قرأت في كتاب « معارف الرجال » أن لشيخنا شرحاً على كتاب « مجمع البحرين » للطريحي ، وكنت إذ ذاك مشغولًا بتحقيق الكتاب ورأيت من الضروري الاطلاع على هذا الشرح ، فطلبت من أحد الشيوخ أن يكون واسطة للتعرف على الشارح ، وكنت كلما أكرر الطلب من صديقي يجيب مستهزءاً أنه « من كَعّاد الفَيْ » يقصد أنه لا يعرف إلا الجلوس في الظل في الصحن العلوي الشريف فلا صلة له بالعلم والتأليف ، وبعد مدة عرفت أن الشيخ توفي فحرمت من لقائه وأسفت على فوات الفرصة . هذا نموذج من تقدير العلم واحترام مقام المتفانين في نشر الثقافة الدينية ، فإنا للَّهوإنا إليه راجعون . ( 2 ) . قال في مقدمة ديوانه « محاسن الكواعب » المخطوط : إلى أن أتى هذا الزمان الذي عدّ به الشعر من غايةالنقصان ، فآليت على نفسي بتركه إلى حلول رمسي ، إلا عن مدح الأئمة الهداة عليهم أفضل السلام والصلاة .